الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

11

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أطلقت على إنفاق المال لوجه اللّه مجازا لأن القصد من ذلك المال تزكية النفس أو لأن ذلك يزيد في مال المعطي . فأطلق اسم المسبّب على السبب . وأصله قوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [ التوبة : 103 ] ، وأطلقت على نفس المال المنفق من إطلاق اسم المصدر على المفعول لأنه حاصل به وهو المتعين هنا بقرينة تعليقه ب فاعِلُونَ المقتضي أن الزكاة مفعول . وأما المصدر فلا يكون مفعولا به لفعل من مادة ( ف . ع . ل ) لأن صوغ الفعل من مادة ذلك المصدر يغني عن الإتيان بفعل مبهم ونصب مصدره على المفعوليّة به . فلو قال أحد : فعلت مشيا ، إذا أراد أن يقول : مشيت ، كان خارجا عن تركيب العربية ولو كان مفيدا ، ولو قال أحد : فعلت ممّا تريده ، لصح التركيب قال تعالى : مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا [ الأنبياء : 59 ] ، أي هذا المشاهد من الكسر والحطم ، أي هذا الحاصل بالمصدر . وليس المراد المصدر لأنه لا يشار إليه ولا سيما بعد غيبة فاعله . والمراد بالفعل هنا الفعل المناسب لهذا المفعول وهو الإيتاء ، فهو كقوله وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [ المائدة : 55 ] فلا حاجة إلى تقدير أداء الزكاة . وإنما أوثر هنا الاسم الأعمّ وهو فاعِلُونَ لأن مادة ( ف ع ل ) مشتهرة في إسداء المعروف ، واشتق منها الفعال بفتح الفاء ، قال محمد بن بشير الخارجي : إن تنفق المال أو تكلف مساعيه * يشقق عليك وتفعل دون ما فعلا وعلى هذا الاعتبار جاء ما نسب إلى أمية بن أبي الصلت : المطعمون الطعام في السّنة الأز * مة والفاعلون للزكوات أنشده في « الكشاف » . وفي نفسي من صحة نسبته تردد لأني أحسب استعمال الزكاة في معنى المال المبذول لوجه اللّه إلّا من مصطلحات القرآن ، فلعل البيت مما نحل من الشعر على ألسنة الشعراء . قال ابن قتيبة في كتاب « الشعر والشعراء » « وعلماؤنا لا يرون شعر أمية حجة على الكتاب » . واللام على هذا الوجه لام التقوية لضعف العامل بالفرعيّة وبالتأخير عن معموله . وقال أبو مسلم والراغب : اللام للتعليل وجعلا الزكاة تزكية النفس . ومعنى فاعِلُونَ فاعلون الأفعال الصالحات فحذف معمول فاعِلُونَ بدلالة علته عليه . وفي « الكشاف » أن الزكاة هنا مصدر وهو فعل المزكي ، أي إعطاء الزكاة وهو الذي